Radio Player Radio Live
التفــــــاصيل

المدرسة الرائدة.. نموذج ناجح في القرى يواجه رهانات التأقلم داخل المدن

في سياق تنزيل الإصلاحات التربوية الجديدة، يبرز نموذج “المدرسة الرائدة” في المغرب كمحاولة لتجديد الفعل التربوي داخل المدرسة العمومية، غير أن نتائج تقييمه خلال الموسمين الدراسيين الأخيرين كشفت عن تباين واضح في مردوديته بين الوسط القروي والحضري، حيث أبانت المؤسسات التعليمية القروية عن أداء لافت، في حين واجه النموذج تحديات في البيئة الحضرية.

المعطيات الرقمية المتوفرة تفيد بأن نسب النجاح في المدارس الرائدة بلغت 83 في المائة في القرى، بينما لم تتجاوز 64 في المائة داخل الأحياء الحضرية، رغم تقارب التجهيزات والبنيات التحتية. كما سجلت مؤشرات المواظبة والانضباط داخل الفصول القروية مستويات مرتفعة ناهزت 91 في المائة، مقابل 68 في المائة في المدن. هذه الأرقام تعكس تفاوتًا في التفاعل مع النموذج، يُعزى إلى عوامل اجتماعية وثقافية مرتبطة بالسياق المحلي، إذ تمنح بساطة الحياة القروية واستقرارها النفسي والمجتمعي هامشًا أوسع لتكريس زمن التعلم، في مقابل إكراهات الحياة الحضرية التي تخلق مصادر ضغط وتشتيت تؤثر على التلميذ والمدرس معًا.

نسبة الانقطاع المدرسي بدورها كانت أقل بثلاث مرات في الوسط القروي، حيث لم تتجاوز 3.4 في المائة، في حين تجاوزت 10 في المائة في بعض الأحياء الهامشية بالمدن. ويبدو أن حضور المدرسة في الحياة اليومية للتلميذ القروي لا يقتصر على البعد التعليمي فقط، بل يمتد إلى أدوار مجتمعية وثقافية تجعل منها نقطة ارتكاز أساسية، بينما تنحصر في المدن في وظائف تعليمية صرفة، تفقد أحيانًا تأثيرها بفعل تزايد البدائل والمؤثرات الخارجية.

تقييمات التلاميذ أكدت بدورها هذا التباين، إذ عبّر 72 في المائة من المتمدرسين في القرى عن ارتياحهم لنمط التعليم المعتمد في المدرسة الرائدة، مقابل 51 في المائة فقط في الوسط الحضري، حيث اشتكى عدد من التلاميذ من صعوبة التأقلم مع المناهج الجديدة بسبب الضغوط اليومية وتعدد الالتزامات خارج المدرسة. أما على مستوى الكفايات الأساس، فقد تفوق التلاميذ القرويون بمعدل 6.8 من 10، مقارنة بـ5.3 في المدن، خاصة في مهارات القراءة والفهم، وهي نتائج تُعزى إلى الانخراط الفعلي للأسر والمجتمع المحلي في دعم المدرسة، من خلال لقاءات دورية ومبادرات مرافقة، في مقابل ضعف التفاعل الأسري داخل الفضاء الحضري.

الدراسة بيّنت كذلك أن النمط التربوي المنفتح الذي تعتمده هذه المدارس، والقائم على الأنشطة التطبيقية والتعلم النشيط، ينسجم أكثر مع الخصوصيات القروية، حيث تتيح البيئة بساطتها الذهنية واستقرارها العائلي. في المقابل، لا يظهر هذا النموذج بنفس الفعالية داخل المدن التي تسودها الفردانية والمنافسة، وتُسجّل فيها مستويات أقل من التماسك بين مكونات الوسط المدرسي والمجتمعي.

ومن بين المعطيات اللافتة، أن 68 في المائة من الأسر القروية تعتبر أن المدرسة الرائدة نجحت في تخليص التعليم من صرامة النموذج التقليدي، مقابل 39 في المائة فقط في المجال الحضري، ما يعكس تفاوتًا في تمثل الأسر لدور المدرسة وقدرتها على التجديد. كما أظهرت النتائج أن عددا من الأطر التربوية في المدن تواجه صعوبة في الانخراط في النموذج الجديد، لأسباب تتعلق بضعف التكوين أو عدم ملاءمة المناخ المدرسي مع متطلبات المدرسة الرائدة.

التباين المسجل بين المجالين لا يُقرأ كمؤشر فشل، بل كمظهر طبيعي لتفاعل نموذج تربوي جديد مع سياقات اجتماعية ومجالية متباينة، ما يستدعي اعتماد مقاربة مرنة في التعميم، تُمكن من تكييف هندسة المدرسة الرائدة مع الإيقاع الخاص بكل بيئة، وتعزز أدوار المدرسة باعتبارها مؤسسة للتربية والتنمية المجتمعية، لا مجرد فضاء للتدريس. النموذج القائم يُظهر إمكانات واعدة، لكنه يظل بحاجة إلى مواكبة دقيقة، وتغذية راجعة مستمرة، تضمن له التطوير والتجذر في مختلف الفضاءات التربوية، مع الحرص على تحقيق التوازن بين النجاعة التربوية والعدالة المجالية.

عـين الجـهة

الرشيدية

ورزازات

تنغير

زاكورة

ميدلت

صوت و صورة
خدمـــــــــات
Podcast

FREQUENCE EVENT

جميع الحقوق محفوظة

2026 ©

أخبـــــار
جاري تحميل...