تعميم تدريس الإنجليزية في الإعدادي.. بين رهانات الإصلاح وتحديات التنفيذ
يشكل قرار تعميم تدريس اللغة الإنجليزية في مرحلة التعليم الإعدادي خطوة محورية في مسار إصلاح المنظومة التربوية بالمغرب، ويعكس وعيا رسميا متزايدا بأهمية هذه اللغة في عالم اليوم. فالإنجليزية لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت لغة العلم والبحث والتكنولوجيا والاقتصاد، كما أنها تمثل مدخلا أساسيا للاندماج في العولمة ومسايرة التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم.
تأتي هذه الخطوة في سياق تحولات كبرى يعيشها المجتمع المغربي، حيث تزايد الطلب المجتمعي على إتقان اللغات الأجنبية، خصوصا الإنجليزية، باعتبارها رافعة للانفتاح على فرص التعليم العالي داخل المغرب وخارجه، وأداة لتعزيز الحظوظ في سوق الشغل. وبذلك ينسجم القرار مع التوجهات الإستراتيجية التي نص عليها القانون الإطار للتربية والتكوين، والذي يضع التمكن من اللغات في صلب النموذج البيداغوجي الجديد.
إدراج الإنجليزية في الإعدادي بشكل معمّم يحمل عدة رهانات، أولها إتاحة الوقت الكافي للتلاميذ لاكتساب المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والفهم والتعبير، قبل الانتقال إلى المستويات العليا حيث تتعمق الحاجة إليها. كما أن البدء المبكر يسهم في ترسيخ الكفايات اللغوية لدى الناشئة، إذ تؤكد الدراسات البيداغوجية أن تعلم اللغات يكون أكثر فاعلية كلما انطلق في سن مبكرة.
لكن هذه الخطوة الطموحة تطرح في المقابل تحديات واقعية تتعلق بتأهيل الموارد البشرية، إذ يتطلب تعميم الإنجليزية توفير أعداد كافية من الأساتذة المتخصصين، إلى جانب تطوير برامج تكوين مستمر لمواكبة مستجدات طرق التدريس. كما يظل إعداد المناهج والكتب المدرسية عاملا حاسما لضمان نجاح هذه التجربة، مع ضرورة مراعاة خصوصيات المتعلمين والانفتاح على مقاربات حديثة تجعل من تعلم اللغة تجربة ممتعة وفعالة في آن واحد.
إن تعميم الإنجليزية في الإعدادي ليس مجرد قرار إداري، بل هو رهان مجتمعي يتطلب تضافر جهود الأسر، والإدارة التربوية، والمدرسين، والإعلام، والمجتمع المدني. فاللغة لا تُكتسب داخل الفصل الدراسي فقط، بل تحتاج إلى بيئة ثقافية داعمة، توفر للتلاميذ فرصا يومية لممارستها عبر الأنشطة الموازية، والوسائط الرقمية، والبرامج الثقافية.
وبالنظر إلى الأفق البعيد، فإن هذه المبادرة قادرة على إحداث تحول نوعي في مخرجات المدرسة المغربية، لتصبح أكثر قدرة على تكوين أجيال منفتحة على العالم، متمكنة من لغة العصر، ومؤهلة لمنافسة نظرائها إقليميا ودوليا. إنها خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء تعليم حديث، يزاوج بين تعزيز الهوية الوطنية والانفتاح على المستقبل.









