بين شعيرة الأضحية وضغط المعيشة.. حين تصبح فرحة العيد امتحانًا للقدرة الشرائية
يحل عيد الأضحى من كل سنة حاملاً معه معاني دينية عميقة ترتبط بالتضحية والتكافل وصلة الرحم، غير أن هذه المناسبة التي يفترض أن تكون مصدر فرح وطمأنينة، تحولت بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين إلى موسم للقلق والضغط النفسي بسبب الارتفاع المتواصل لأسعار الأضاحي وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
ففي السنوات الأخيرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية تؤدى في أجواء من السكينة، بل أصبحت لدى كثير من الأسر “معركة اقتصادية” تفرض على رب الأسرة البحث عن حلول استثنائية لتوفير ثمن الكبش، حتى وإن كان ذلك على حساب أساسيات أخرى كالتعليم أو الصحة أو مصاريف الحياة اليومية. ومع ارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف النقل وتداعيات الجفاف، ارتفعت أسعار الأضاحي بشكل غير مسبوق، ما جعل فئات واسعة تشعر بأنها عاجزة عن مجاراة متطلبات العيد.
ورغم أن الدين الإسلامي ربط الأضحية بالاستطاعة ولم يجعلها فرضًا على غير القادر، إلا أن العادات الاجتماعية ما تزال تضغط بقوة على الأسر، خصوصًا في المجتمعات المحافظة التي ترى في اقتناء الأضحية جزءًا من “الهيبة الاجتماعية” أو صورة الأسرة أمام المحيط. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة؛ فالكثير من المواطنين يشترون الأضحية بالدين أو بالتقسيط فقط لتجنب نظرة المجتمع أو إحساس الأبناء بالنقص مقارنة بأقرانهم.
إن الحديث عن عيد الأضحى اليوم لم يعد ممكنًا دون استحضار النقاش المرتبط بالعدالة الاجتماعية ومستوى الدخل والأسعار. فالمواطن البسيط الذي يواجه يوميًا غلاء المواد الأساسية، يجد نفسه أمام مصاريف إضافية تثقل كاهله في مناسبة يفترض أن تكون مناسبة للتيسير والتراحم. لذلك، فإن جوهر الشعيرة لا ينبغي أن يُختزل في ثمن الأضحية أو حجمها، بل في قيم التضامن والتقرب إلى الله ومساعدة المحتاجين.
ومن جهة أخرى، تبرز مسؤولية مختلف المتدخلين، سواء من سلطات أو مهنيين أو فاعلين اقتصاديين، في تنظيم الأسواق ومحاربة المضاربة التي تتكرر كل موسم، لأن بعض الوسطاء يستغلون ارتفاع الطلب لتحقيق أرباح مضاعفة، ما يزيد من معاناة المستهلك البسيط. كما أن تعزيز ثقافة الوعي الديني بكون الأضحية سنة مؤكدة مرتبطة بالقدرة، قد يخفف من الضغط الاجتماعي الذي يعيشه كثير من الأسر.
في النهاية، يبقى عيد الأضحى مناسبة روحية قبل كل شيء، ولا ينبغي أن يتحول إلى عبء اقتصادي أو معيار للحكم على الناس. فكرامة المواطن واستقراره المعيشي أولى من المظاهر، وقيمة العيد الحقيقية تكمن في الرحمة والتآزر، لا في حجم الأضحية ولا في ثمنها.









