دراسة: الشباب أكثر تقبلاً لتدريس الأمازيغية
أظهرت دراسة أكاديمية حديثة أن الأجيال المغربية الصاعدة، وخاصة التلاميذ الذين تابعوا دراستهم بعد إدراج الأمازيغية في المدرسة العمومية، تتبنى مواقف أكثر إيجابية تجاه تدريس اللغة الأمازيغية واعتماد حرف تيفيناغ، بينما يميل أولياء الأمور إلى تأييدها من منظور ثقافي، مع استمرار تحفظهم بشأن جدواها التعليمية والعملية.
الدراسة، المنشورة في مجلة European Journal of Language Policy تحت عنوان “إحياء اللغات الأقلية عبر السياسات التعليمية: مواقف المغاربة تجاه الأمازيغية في السياسة التعليمية”، أنجزتها الباحثتان كوثر الصابري وضاوية العبودي، وهدفت إلى تقييم مدى انسجام السياسة اللغوية الخاصة بإدماج الأمازيغية في التعليم مع تصورات التلاميذ وأولياء أمورهم.
واعتمد البحث على مقاربة كمية وكيفية، شملت استبيانًا وُجه إلى 152 تلميذًا من التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بإقليم الجديدة، إضافة إلى مقابلات شبه موجهة مع 15 من أولياء الأمور، قصد استكشاف مواقفهم من تدريس الأمازيغية واعتماد حرف تيفيناغ.
تلاميذ أكثر تقبلًا
وأبرزت نتائج الدراسة أن نحو 90 في المائة من التلاميذ يعتبرون تعلم الأمازيغية في المرحلة الابتدائية تجربة إيجابية، فيما أعرب أكثر من 63 في المائة عن رغبتهم في مواصلة دراستها خلال المراحل التعليمية اللاحقة.
كما أظهرت النتائج أن أغلبية المستجوبين لا ينظرون إلى الأمازيغية باعتبارها عبئًا دراسيًا، ويرفضون حذفها من المناهج، وهو ما اعتبرته الدراسة مؤشرًا على تحول ملحوظ مقارنة بدراسات سابقة سجلت مواقف أقل إيجابية تجاه تدريسها.
وفي ما يتعلق بحرف تيفيناغ، عبر أكثر من نصف التلاميذ عن ارتياحهم لاستخدامه في القراءة والكتابة، رغم إقرار بعضهم بأنه يمثل الجانب الأكثر صعوبة في تعلم اللغة، وهو ما فسرته الباحثتان بأن الصعوبة التقنية لا تعني رفض الحرف أو السياسة التعليمية المرتبطة به.
كما بينت الدراسة أن نسبة قبول تعلم الأمازيغية تبلغ أكثر من 94 في المائة خلال المرحلة الابتدائية، قبل أن تنخفض إلى نحو النصف في التعليم الثانوي، ما يعكس تراجع الحماس مع التقدم في المسار الدراسي وازدياد الضغط الأكاديمي.
العمر يؤثر في المواقف
إحصائيًا، سجلت الدراسة وجود علاقة بين مواقف التلاميذ تجاه تدريس الأمازيغية وكل من العمر والمستوى الدراسي، في حين لم يظهر أي ارتباط مع عدد سنوات دراسة اللغة.
واعتبرت الباحثتان أن هذه النتيجة تشير إلى أن تطور المواقف يرتبط بعوامل تتجاوز مدة التعلم، من بينها النضج العمري وتنامي الوعي بالهوية الوطنية والتعدد اللغوي، ما يجعل تعزيز مكانة الأمازيغية رهينًا أيضًا بترسيخ الوعي الثقافي لدى الناشئة.
أولياء الأمور بين التأييد والتحفظ
في المقابل، كشفت المقابلات مع أولياء الأمور عن مواقف أكثر تحفظًا. فبينما أجمع أغلب المشاركين على أن الأمازيغية تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية والثقافة المغربية، فإن هذا الاعتراف لم يترجم دائمًا إلى تأييد واضح لإلزامية تدريسها.
ورأى عدد من الآباء أن للأمازيغية قيمة ثقافية ورمزية مهمة، غير أنهم اعتبروا أن مردودها الدراسي أو المهني يبقى أقل مقارنة بلغات أخرى مثل العربية والفرنسية. كما أبدى بعضهم تخوفًا من أن يؤدي إدراجها ضمن المناهج إلى زيادة العبء الدراسي، خاصة بالنسبة للتلاميذ في المناطق غير الناطقة بالأمازيغية.
ورغم هذه التحفظات، لم ترصد الدراسة مواقف رافضة بشكل صريح لتدريس الأمازيغية، بل وصفت توجهات أولياء الأمور بأنها ذات طابع براغماتي، إذ يفضل معظمهم عدم معارضة التوجه الرسمي مع استمرار قدر من التردد تجاه اللغة نفسها.
قبول لتيفيناغ
وفي ما يخص حرف تيفيناغ، أظهرت الدراسة أن غالبية أولياء الأمور تؤيد اعتماده باعتباره النظام الكتابي الطبيعي للأمازيغية، رغم محدودية معرفتهم به. كما رفض أغلبهم فكرة استبداله بالحرف العربي أو اللاتيني، معتبرين أن لكل لغة منظومتها الكتابية الخاصة، وأن الحفاظ على تيفيناغ يشكل جزءًا من صون الهوية الأمازيغية.
غير أن الدراسة سجلت في المقابل ضعفًا في معرفة أولياء الأمور بقضايا حماية اللغات المهددة وسياسات الإحياء اللغوي، إذ ظل تأييدهم لتيفيناغ قائمًا أساسًا على اعتبارات رمزية أكثر من استنادها إلى معرفة بهذه السياسات.
توصيات لتعزيز الوعي
وخلصت الدراسة إلى أن الأجيال التي نشأت بعد إدماج الأمازيغية في المدرسة العمومية أصبحت أكثر تقبلًا لها وأقل تأثرًا بالصور النمطية التي كانت سائدة في الماضي، بينما لا تزال مواقف أولياء الأمور متأثرة بمرحلة سابقة كانت فيها الأمازيغية أقل حضورًا في الفضاء العام والمؤسسات التعليمية.
وأكدت الباحثتان أن نجاح سياسة إدماج الأمازيغية لا يرتبط فقط بتوفير المناهج والأطر التربوية، بل يتطلب أيضًا تعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها، خاصة لدى أولياء الأمور، مع تكثيف التواصل حول أهداف السياسة اللغوية ومواصلة تفعيل المقتضيات الدستورية الخاصة بالطابع الرسمي للأمازيغية، بما يضمن انتقالها من الاعتراف القانوني إلى الممارسة الفعلية داخل المجتمع.









