التفاصيــــــل ///

مصطفى سيعلي: أحداث سبتة تكشف قوة التمثلات الذهنية في قرارات الهجرة

بقلم الدكتور: مصطفى سيعلي

قراءة نفسية في الهجرة بوصفها رحلة في الواقع والخيال

غالبا ما جرى تفسير أحداث سبتة من خلال منظور الهجرة الاقتصادية، أو التوترات الجيوسياسية، أو الأزمة الإنسانية. غير أن القراءة النفسية تكشف عن بعد أكثر عمقا؛ فحركة آلاف الشباب نحو سبتة لا تمثل مجرد انتقال جغرافي، بل هي في المقام الأول انتقال نفسي.
إن الأمر لا يتعلق بمجرد الهروب من واقع إلى واقع آخر، بل بالانتقال من واقع ينظر إليه على أنه مسدود الآفاق إلى تمثل ذهني مثالي لعالم آخر. ويعد هذا التمييز جوهريا في علم النفس؛ إذ تشير الواقع إلى التجربة الملموسة التي يعيشها الفرد، بما تتضمنه من بيئة وإمكانات وقيود موضوعية، في حين أن التمثل الذهني هو بناء نفسي يتشكل من المعتقدات، والسرديات الاجتماعية، والصور الإعلامية، والإسقاطات الشخصية.
وعندما يقدم شاب على عبور البحر معرضا حياته للخطر، فإن سلوكه لا يفسر فقط بالظروف المادية التي يسعى إلى مغادرتها، بل يتحدد أيضا بالصورة التي رسمها في ذهنه لما يأمل أن يجده في الضفة الأخرى.

أوروبا بوصفها تمثلا نفسيا

في هذا المنظور، لا تعود أوروبا مجرد فضاء جغرافي، بل تتحول إلى رمز. فهي تجسد النجاح، والحرية، والكرامة، والاعتراف الاجتماعي، ووعدا بحياة أفضل. وتتغذى هذه الصورة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وشهادات المهاجرين التي غالبا ما تبرز جوانب النجاح دون غيرها، والإنتاجات السمعية البصرية، والخطابات الجماعية التي تميل إلى إبراز قصص النجاح أكثر من عرض الصعوبات.

وهكذا، فإن الفرد لا يسعى إلى واقع يعرفه معرفة موضوعية، بل إلى تمثل ذهني مشحون بقوة عاطفية كبيرة.
وتبين أبحاث علم النفس المعرفي أن القرارات الإنسانية نادرا ما تقوم على تحليل عقلاني خالص للوقائع، وإنما تتأثر بدرجة كبيرة بالتمثلات الذهنية التي توجه المشاعر والتوقعات والسلوك. وكلما اتسعت الفجوة بين الواقع المعيش والتمثل الذهني لمستقبل أفضل، ازدادت الدافعية إلى تجاوز العقبات، حتى وإن كانت المخاطر جسيمة.
قوة التمثلات لدى الشباب
تتجلى هذه الدينامية بوضوح لدى المراهقين والشباب في بداية مرحلة الرشد. ففي هذه المرحلة من النمو، يترافق بناء الهوية مع حساسية كبيرة تجاه نماذج النجاح والمقارنات الاجتماعية.
وعندما يضعف شعور الفرد بفاعليته الذاتية داخل بيئته الأصلية، يتحول التمثل المثالي لعالم آخر إلى قوة دافعة هائلة. وعندئذ لا يبدو قرار الهجرة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل محاولة لإعادة بناء الذات.
ومن هذا المنطلق، تصبح سبتة أكثر من مجرد حدود جغرافية؛ إنها تتحول إلى حدود نفسية تفصل بين واقع ينظر إليه باعتباره محدودا أو مغلقا، وتمثل ذهني يحمل الأمل وإمكانية تحقيق الذات.
مفارقة النجاح
هنا يبرز سؤال جوهري: هل يرتبط النجاح حصريا بالمكان الذي يعيش فيه الإنسان، أم أنه يعتمد أيضا على الموارد النفسية والشخصية التي يستطيع تعبئتها؟
تكشف تجارب كثيرة للمهاجرين الناجحين أن ما يميزهم ليس فقط وجودهم في بلد آخر، بل امتلاكهم قدرة استثنائية على التكيف، والمثابرة، والانضباط، والصمود، وتحمل الظروف الصعبة.
وهذه الموارد النفسية نفسها يمكن، إذا توفرت بيئة مواتية، أن تستثمر أيضا داخل البلد الأصلي لبناء فرص جديدة وإنجاز مشاريع ذات قيمة.
ولا يعني ذلك بطبيعة الحال أن الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية أو المؤسساتية متماثلة بين البلدان؛ فالفوارق حقيقية والعقبات قد تكون كبيرة. غير أن علم النفس يذكرنا بأن التمثل المثالي للعالم الآخر قد يدفع الإنسان إلى التقليل من الإمكانات الموجودة في بيئته، وفي المقابل إلى المبالغة في تقدير الفرص التي يتصور أنها تنتظره في بلد الاستقبال.
وهكذا ينشأ نوع من التحيز الإدراكي؛ إذ تبدو التضحيات التي يبذلها الفرد بعد وصوله إلى أوروبا مقبولة لأنها ينظر إليها بوصفها استثمارا في مستقبل واعد، بينما قد تبدو الجهود نفسها، لو بذلت في البلد الأصلي، عديمة الجدوى قبل أن تبدأ.
إذن، فليس السياق وحده هو الذي يتغير، وإنما تتغير أيضا الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى ذلك السياق.

المواجهة بين التمثل الذهني والواقع

تكمن المفارقة في أن هذا التمثل المثالي غالبا ما يصطدم بالواقع الذي يكتشفه المهاجر بعد وصوله.
فالصعوبات الإدارية، والهشاشة الاقتصادية، والتمييز، والعزلة الاجتماعية، فضلا عن الصدمات المرتبطة بمسار الهجرة، تكشف أحيانا عن فجوة واسعة بين الصورة التي رسمها الفرد في ذهنه قبل الرحيل وبين التجربة التي يعيشها على أرض الواقع.
وقد تؤدي هذه المواجهة إلى شعور عميق بخيبة الأمل، وإحساس بالفشل على مستوى الهوية، بل وربما إلى اضطرابات القلق أو الاكتئاب.
وبعبارة أخرى، يكتشف المهاجر تدريجيا أنه لم يغادر واقعا صعبا نحو واقع مثالي، بل غادر واقعا صعبا نحو تمثل ذهني لا يعكس إلا جزءا من الحقيقة.

قراءة نفسية لأحداث سبتة

تدعونا أحداث سبتة إلى تجاوز التفسيرات التي تحصر الظاهرة في أبعادها الاقتصادية أو السياسية فقط، لأنها تكشف عن القوة التي تمارسها التمثلات الجماعية في توجيه السلوك الإنساني.
فالهجرات المعاصرة ليست مجرد انتقال للأشخاص، بل هي أيضا انتقال للخيال وللصور الذهنية التي يبنيها الإنسان عن مستقبله.
ولا يعني فهم هذا البعد النفسي إنكار الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى الهجرة، بل يعني الإقرار بأن القرارات الإنسانية تتشكل من التفاعل المستمر بين الظروف الموضوعية للحياة وبين التمثلات الذاتية التي يصوغها كل فرد عن مستقبله.
ومن ثم، فإن أحد أهم التحديات يتمثل في مساعدة الشباب على بناء تمثلات أكثر توازنا؛ فلا يقعوا في مثالية مفرطة تجاه بلد الاستقبال، ولا في ازدراء ممنهج لبلدهم الأصلي، وإنما ينظروا بواقعية إلى القيود والفرص التي يتيحها كل سياق.

توصيات من منظور علم النفس

تكشف أحداث سبتة أن المقاربات الأمنية أو الاقتصادية وحدها لا تكفي لفهم الظاهرة أو الحد منها. ولذلك ينبغي أن تأخذ سياسات الوقاية بعين الاعتبار الآليات النفسية التي تؤثر في قرارات الشباب.

أولا: تنمية التفكير النقدي تجاه صور “الآخر” وتمثلات الهجرة

من الضروري مساعدة الشباب على تحليل المحتوى الذي يتلقونه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وكذلك روايات النجاح التي غالبا ما تقدم صورة جزئية عن تجربة الهجرة. فبناء تمثل متوازن للهجرة يقتضي عرض الفرص التي تتيحها، كما يقتضي أيضا إبراز التحديات والصعوبات التي تنطوي عليها.

ثانيا: تعزيز الشعور بالكفاءة الذاتية

تشير الدراسات النفسية إلى أن الفرد الذي يؤمن بقدرته على التأثير في مسار حياته يكون أكثر قدرة على بناء مشروع شخصي متماسك. ومن ثم، ينبغي أن تركز برامج المواكبة على إبراز المهارات، وتثمين قصص النجاح المحلية، وتشجيع المبادرات المهنية وريادة الأعمال داخل البلد الأصلي.

ثالثا: إعادة بناء تمثل إيجابي للإمكانات المحلية

من دون إنكار الصعوبات الاقتصادية أو الاجتماعية، من المهم إظهار نماذج النجاح التي تحققت داخل المجتمع نفسه. فعندما لا يرى الشاب أي أفق في بيئته، يصبح “الخارج” في مخيلته الحل الوحيد الممكن. والغاية ليست تجميل الواقع، بل توسيع دائرة الإمكانات التي يستطيع إدراكها.

رابعا: العمل على مشروع الحياة قبل مشروع الهجرة

لا ينبغي أن يكون السؤال الأساسي هو: “كيف أهاجر؟”، بل ينبغي أن يصبح: “ما هو مشروع حياتي؟ وما السياق الأنسب لتحقيقه؟”.
قد تكون الهجرة خيارا مناسبا لبعض الأشخاص، لكنها لا ينبغي أن تكون الجواب الوحيد عن الشعور بانسداد الأفق أو فقدان الأمل.

خامسا: توفير فضاءات للدعم والإصغاء النفسي

يعاني كثير من الشباب من مشاعر عميقة من الإحباط، والظلم، وفقدان الأمل. ومن شأن توفير فضاءات للحوار، والتوجيه، والمواكبة النفسية أن يساعدهم على تحويل معاناتهم إلى مشروع حياة مدروس، بدل أن تتحول إلى قرارات متسرعة تحكمها الضغوط أو التمثلات المثالية.

سادسا: إشراك الأسرة والمؤسسات التعليمية

تتشكل تصورات النجاح منذ المراحل الأولى من الحياة. ولذلك يضطلع الآباء، والمدرسون، والمربون بدور أساسي في ترسيخ رؤية واقعية لمسارات النجاح، تقوم على قيمة الجهد، وتنمية الكفاءات، والمثابرة، والقدرة على التكيف، بغض النظر عن البلد الذي تستثمر فيه هذه القدرات.

يعلمنا علم النفس أن السلوك الإنساني يتحدد، في كثير من الأحيان، ليس بالواقع الموضوعي في حد ذاته، بل بالطريقة التي يدرك بها الإنسان ذلك الواقع ويفسره.
وتجسد أحداث سبتة هذه الحقيقة بوضوح؛ فهي تكشف أن الهجرات المعاصرة ليست مجرد انتقال للأشخاص، وإنما هي أيضا انتقال للتمثلات الذهنية والصور التي يصنعها الإنسان عن مستقبله.
ومن ثم، فإن القضية لا تتمثل في تثبيط الأحلام أو إدانة الهجرة، وإنما في مساعدة الشباب على التمييز بين الأمل والمثالية الوهمية، وبين المشروع المدروس والوهم، وعلى إدراك أن الموارد النفسية التي تمكن الإنسان من النجاح في الخارج مثل المثابرة، والمرونة النفسية، والالتزام، والانضباط، والقدرة على التكيف يمكن أن تصبح أيضا عوامل نجاح داخل البلد الأصلي، متى توفرت الظروف الملائمة.
وهكذا، لا تبدو سبتة مجرد حدود تفصل بين إقليمين، بل تصبح رمزا لحدود أخرى تفصل بين الواقع والمتخيل، وبين الحياة كما تعاش والحياة كما يتصور أنها ستكون.
إن العبور الحقيقي ليس عبور البحر فحسب، بل هو أيضا عبور نفسي وذهني. وفهم هذا العبور يمثل شرطا أساسيا لمرافقة الشباب في بناء مشاريع حياة واقعية، واعية، وقائمة على الاختيار الحر، بعيدا عن التمثلات المثالية التي قد تحجب رؤية الواقع بكل ما يحمله من تحديات وفرص.

عين الجهة ///

الرشيدية

ورزازات

تنغير

زاكورة

ميدلت

صوت و صورة ///
خدمات ///
برامجنا ///
Footer Design Pro - Final
أخبـــــار
جاري تحميل...