«فاو» تحذر: الملوحة والتعرية تهددان تربة المغرب
حذر تقرير دولي حديث لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «فاو» من تنامي الضغوط التي تواجه موارد التربة في المغرب، خاصة بفعل تملح الأراضي المسقية والتعرية المائية، في ظل ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة وتزايد تداعيات الجفاف والتغيرات المناخية.
وجاءت هذه المعطيات ضمن تقرير «حالة موارد التربة في العالم 2026»، الذي أطلقته المنظمة يوم 27 غشت 2026، بالتزامن مع الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر. ويعد التقرير ثاني تقييم عالمي شامل لوضعية التربة بعد التقرير الأول الصادر سنة 2015.
وأشار التقرير إلى أن المغرب تمكن، خلال الفترة الممتدة بين 2015 و2022، من إضافة نحو 160 ألف هكتار إلى مساحة الأراضي المجهزة للري، وهي زيادة تعد من بين الأبرز في منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا.
ورغم مساهمة توسيع المساحات المسقية في دعم الإنتاج الزراعي، فإن «فاو» تنبه إلى أن ضعف تدبير مياه الري وأنظمة الصرف، خصوصا في المناطق الجافة وشبه الجافة، قد يؤدي إلى ارتفاع مخاطر تملح التربة والتغدق، ما ينعكس سلبا على خصوبتها والإنتاجية الزراعية.
وتفيد التقديرات التي اعتمد عليها التقرير بأن ما بين 20 و30 في المائة من الأراضي المسقية في المغرب والجزائر تعاني بدرجات متفاوتة من الملوحة، فيما تشير معطيات أخرى ضمن التقييم إلى أن النسبة في المغرب تقترب من 30 في المائة.
ويرتبط تملح التربة بعدد من العوامل، من بينها استعمال مياه ري ذات ملوحة مرتفعة، وضعف شبكات الصرف، والاستغلال المكثف للمياه الجوفية، إلى جانب ارتفاع معدلات التبخر وتسرب مياه البحر إلى الفرشات المائية الساحلية في المناطق التي تشهد استنزافا للموارد الجوفية.
وتزداد حدة هذه الظاهرة مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ يؤدي ارتفاع التبخر واحتياجات النباتات للمياه إلى زيادة تركّز الأملاح في التربة، خاصة بالمناطق التي تعتمد بشكل كبير على الري.
وعلى المستوى الإقليمي، تقدر الخسائر الاقتصادية المرتبطة بملوحة التربة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحوالي مليار دولار سنويا، أي ما يتراوح بين 1600 و2750 دولارا لكل هكتار متضرر، وهي تقديرات تشمل المنطقة ولا تخص المغرب وحده.
التعرية تهدد المناطق الجبلية
إلى جانب مشكلة الملوحة، صنف تقرير «فاو» التعرية المائية ضمن أبرز التحديات التي تواجه التربة بالمغرب، خصوصا في المناطق الجبلية التي تتميز بانحدارات قوية وغطاء نباتي محدود وتساقطات مطرية مركزة.
وتشير الدراسات التي استند إليها التقرير إلى إمكانية تسجيل مستويات مرتفعة من التعرية في أجزاء من الأطلس الكبير، بينما تتراوح مستوياتها في مناطق من الأطلس الصغير بين الضعيفة والمتوسطة، مع تفاوت واضح بين الأحواض المائية.
وأظهرت دراسة شملت 38 حوضا مائيا بالمغرب أن مردود الرواسب تراوح بين نحو 100 و4620 طنا لكل كيلومتر مربع سنويا، أي ما يعادل تقريبا طنا واحدا إلى 46.2 طنا للهكتار في السنة، حسب طبيعة كل حوض وخصائصه.
ويشكل فقدان الطبقة السطحية الخصبة للتربة تهديدا مباشرا للإنتاج الزراعي، بالنظر إلى تأثيره على الخصوبة والقدرة على الاحتفاظ بالمياه، فضلا عن مساهمته في تراكم الرواسب داخل الأودية والسدود.
توسع الزرع المباشر
وفي ما يتعلق بالزراعة الحافظة، أورد التقرير بيانات تعود إلى موسم 2018-2019، تفيد بأن مساحة الأراضي التي كانت تعتمد هذه الممارسات في المغرب لم تتجاوز آنذاك نحو 13 ألف هكتار.
غير أن هذه المعطيات لا تعكس التطورات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، خصوصا مع توسع اعتماد تقنية الزرع المباشر ضمن استراتيجية «الجيل الأخضر».
وكان البرنامج الوطني للزرع المباشر قد انطلق سنة 2021، فيما بلغت المساحات التي اعتمدت هذه التقنية نحو 160 ألف هكتار سنة 2025، مقابل أقل من 20 ألف هكتار قبل أربع سنوات.
ويستهدف المغرب الوصول إلى مليون هكتار من الأراضي المعتمدة على الزرع المباشر بحلول سنة 2030، باعتبار هذه التقنية وسيلة للمحافظة على رطوبة التربة ومادتها العضوية والحد من التعرية واضطراب بنيتها.
مخاطر على التنوع البيولوجي للتربة
كما رصد التقرير مخاطر متزايدة تهدد التنوع البيولوجي داخل التربة في منطقة الشرق الأدنى وشمال إفريقيا، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، من بينها التصحر والجفاف والتعرية والتلوث والاستغلال الزراعي المكثف والرعي الجائر وتغير المناخ.
وأوضح التقييم أن عددا من مناطق شمال إفريقيا تواجه مستويات مرتفعة أو مرتفعة جدا من المخاطر التي تهدد التنوع البيولوجي للتربة، ضمن ضغوط متعددة تشمل أيضا المجال الممتد من الساحل الأطلسي المغربي نحو الشرق.
ويؤثر تراجع التنوع البيولوجي للتربة على عدد من وظائفها الأساسية، من بينها تدوير العناصر الغذائية، وتخزين الكربون، وتحسين بنيتها، وتعزيز قدرتها على الاحتفاظ بالمياه ودعم نمو النباتات.
ودعت «فاو» إلى تسريع اعتماد ممارسات الإدارة المستدامة للتربة، مؤكدة أن التعرية لا تزال من أخطر التهديدات التي تواجه صحة التربة عالميا، في وقت لا تزال فيه الحلول المتاحة غير معممة بالسرعة والنطاق الكافيين.
وتشمل الإجراءات المقترحة تعزيز الغطاء النباتي عبر الأشجار والشجيرات والنباتات المعمرة، والحفاظ على المادة العضوية، وإعادة استعمال المخلفات العضوية والسماد الحيواني، إلى جانب تحسين تدبير العناصر المغذية ومراقبة خصوبة التربة.
كما شددت المنظمة على أهمية ربط توسيع المساحات الزراعية والمشاريع المسقية بتدبير أكثر فعالية للمياه وأنظمة الصرف، تفاديا لتحول التوسع في الري إلى عامل إضافي يسرع تملح الأراضي.
وتبرز هذه المعطيات حجم التحدي الذي يواجه المغرب، والمتمثل في تحقيق التوازن بين رفع الإنتاج الزراعي وتوسيع الري من جهة، والحفاظ على التربة والموارد المائية من جهة أخرى، خصوصا في ظل استمرار الإجهاد المائي وتوالي سنوات الجفاف وارتفاع تأثيرات التغير المناخي.
وخلص تقرير «فاو» إلى أن الجهود المبذولة عالميا لحماية التربة لا تزال غير كافية لوقف تدهورها أو عكس مساره، داعيا إلى التركيز بشكل أكبر على الوقاية من تدهور الأراضي وتوسيع الممارسات الزراعية المستدامة بدل الاكتفاء بمعالجة الأضرار بعد وقوعها.









