حقوق الإنسان في صلب مطالب مذكرة «مغرب 2030»
دعت لجنة تنسيق مذكرة «مغرب 2030: من أجل دولة الحق والعدالة والمساواة والتنمية المستدامة» إلى إدراج حقوق الإنسان والحريات والمساواة والعدالة الاجتماعية ضمن الأولويات الأساسية للبرنامج الحكومي الجديد، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء تعاقد سياسي واجتماعي يستجيب لتطلعات المواطنين ويجعل الكرامة والديمقراطية والإنصاف أساساً للسياسات العمومية.
وأوضحت اللجنة، في مذكرة صدرت بالرباط يوم السبت 17 أكتوبر 2026، تزامناً مع تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، أن المغرب يحتاج إلى الانتقال من الوعود العامة إلى التزامات واضحة ومحددة، تتضمن آجالاً للتنفيذ وموارد مرصودة ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم، بما يعزز دور الدولة الاجتماعي والديمقراطي ويقوي ثقة المواطنين في المؤسسات.
وأشارت المذكرة إلى أن المكتسبات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية التي حققها المغرب لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالفجوة بين الاعتراف القانوني بالحقوق وضمان ممارستها الفعلية، فضلاً عن استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية ومظاهر الهشاشة والإقصاء والتمييز. واعتبرت أن معالجة هذه الاختلالات تستدعي مراجعة الاختيارات العمومية، وتحسين توزيع الموارد والفرص، وتعزيز قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب المجتمع.
وأكدت اللجنة أن أفق سنة 2030 ينبغي ألا يقتصر على إنجاز المشاريع الكبرى وتحقيق المؤشرات الاقتصادية وتطوير البنيات التحتية، بل يجب أن يشكل محطة لبناء نموذج تنموي أكثر ديمقراطية وعدالة، تكون فيه التنمية في خدمة الإنسان، والمالية العمومية أداة لتعزيز الحقوق، والمؤسسات فضاءً للاستجابة لتطلعات المواطنين.
وفي هذا الإطار، حددت المذكرة عشرة التزامات رئيسية دعت إلى تضمينها في البرنامج الحكومي. ويتعلق الالتزام الأول بحماية حقوق الإنسان والحريات العامة وتعزيز دولة القانون، من خلال ضمان حرية التعبير والصحافة والتنظيم والتجمع، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وصون استقلالية المجتمع المدني، وربط ممارسة السلطة بالمحاسبة.
ويهم الالتزام الثاني تحقيق المساواة الفعلية والمناصفة، عبر مكافحة التمييز وتعزيز مشاركة النساء في مواقع القرار، وتوفير الحماية لهن من العنف، والتصدي للممارسات التي تمس حقوق الفتيات وسلامتهن وكرامتهن أو تعيق استمرارهن في التعليم.
أما الالتزام الثالث، فيرتبط بتجديد الديمقراطية التمثيلية والتشاركية وإعادة بناء الثقة في المؤسسات، من خلال توسيع المشاركة السياسية والمواطنة وضمان تمثيلية منصفة للنساء والشباب والأشخاص في وضعية إعاقة والفئات الأقل حضوراً في مواقع القرار، مع تمكين المواطنين من التأثير الفعلي في السياسات العمومية.
وفي محور المالية العمومية، طالبت اللجنة بإرساء نظام أكثر عدالة وشفافية في توزيع الموارد، وربط الإنفاق العمومي بالنتائج، وتوجيه الاختيارات الميزانياتية نحو تحقيق الإنصاف الاجتماعي والمجالي وتحسين نجاعة الأداء، إلى جانب إصلاح الإطار المنظم لقانون المالية.
كما دعت إلى تعزيز الدولة الاجتماعية والارتقاء بجودة الخدمات العمومية، خصوصاً في مجالات التعليم والصحة والسكن والشغل والحماية الاجتماعية، بما يضمن تمتع المواطنين بحقوقهم الأساسية دون أن تتحول إلى امتيازات مرتبطة بالقدرة المادية أو مكان الإقامة.
وشددت المذكرة، ضمن التزاماتها، على ضرورة اعتماد العدالة المجالية اختياراً سياسياً ملزماً، من خلال تحسين توزيع الاستثمارات والخدمات والفرص، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق الجبلية والقروية والواحات والمجالات التي تعاني التهميش.
وفي الجانب البيئي، دعت اللجنة إلى اعتماد انتقال بيئي ومناخي عادل، يحمي الموارد الطبيعية والمائية ويضمن الحق في بيئة سليمة، مع تجنب تحميل الفئات الهشة والمناطق الأقل استفادة من التنمية الأعباء الأكبر للأزمات المناخية.
وتضمنت المذكرة أيضاً الدعوة إلى ضمان الإدماج الكامل للشباب والأشخاص في وضعية إعاقة والمهاجرين ومغاربة العالم، وإشراكهم في القرار ومسارات التنمية باعتبارهم أصحاب حقوق وشركاء في الحياة العامة، وليس مجرد فئات تستهدفها برامج ظرفية.
وفي ما يتعلق بالحكامة، طالبت اللجنة بتعزيز الشفافية والنزاهة والمساءلة، وضمان الحق في الحصول على المعلومات، وتفعيل الرقابة والتقييم المستقل للسياسات العمومية، وربط المسؤولية السياسية والإدارية بنتائج القرارات وآثارها. كما دعت إلى تعميق اللامركزية والديمقراطية الترابية، وتمكين الجماعات الترابية من الموارد والاختصاصات اللازمة لتدبير التنمية المحلية.
واعتبرت اللجنة أن هذه الالتزامات تشكل عناصر مترابطة لمشروع مجتمعي يقوم على الحريات والمساواة والتماسك الاجتماعي والعدالة والإدماج، مؤكدة أن الإصلاحات لن تحقق أهدافها إذا جرى التعامل مع هذه المبادئ باعتبارها ملفات منفصلة أو أولويات ثانوية.
ودعت المذكرة إلى الإعلان عن إجراءات ذات أولوية خلال الأشهر الستة الأولى من الولاية الحكومية، مع تحديد الالتزامات القابلة للتنفيذ والقياس والمساءلة، وإرساء آليات تشريعية ومالية تضمن انسجام السياسات العمومية مع متطلبات الحقوق والعدالة والمساواة.
كما طالبت بأن تشكل مناقشة البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مناسبة فعلية للمساءلة السياسية بشأن الاختيارات والأولويات والموارد والنتائج المنتظرة، بدلاً من الاكتفاء بتبادل المواقف والخطابات، مشددة على أهمية إشراك المجتمع المدني المستقل في الاقتراح والترافع والتقييم والرقابة.
وخلصت اللجنة إلى أن الرهان المرتبط بأفق 2030 لا يتعلق بالمشاريع الكبرى وحدها، بل ببناء مغرب يضمن الحقوق والحريات والمساواة والعدالة، ويقيس نجاح سياساته بمدى تحسين حياة المواطنين وصون كرامتهم. ودعت إلى تحويل البرنامج الحكومي إلى نقطة انطلاق لتحول ملموس في تدبير الشأن العام، يقوم على الانتقال من الوعود إلى الالتزامات، ومن الالتزامات إلى النتائج والأثر المجتمعي المستدام.









